الشيخ أحمد فريد المزيدي

204

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

منه ؛ لقوله تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ [ الحديد : 4 ] ، فقال : أخبرني كيف هو معك ومعنا في قوله : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ قال هو معنا كيفما كنا معه ، فإن كنا معه بالطاعة كان معنا بالعون والهدى إليه ، وإن كنا معه بالغفلة كان معنا بالمشيئة ، وإن كنا بالمعصية كان معنا بالمهلة ، وإن كنا بالتوبة كان معنا بالقبول ، وإن كنا بالترك كان معنا بالعقاب . قال : صدقت . فأخبرني أين هو مني ؟ فقال : أخبرني أين أنت منه أعلمك أين هو منك ؟ قال : صدقت يا علي فيما قلت ، ولكن أخبرني بمسألة ثانية . قال : وما هي ؟ قال : لم ملت عن يمينك حين سألتك ؟ قال : أعان اللّه الفقيه ؛ إن المسألة التي سألتني عنها لم يكن عندي فيها جواب ؛ لأنني ما سئلت فيها قطّ ، ولا سمعتها ، فلما سألتني عنها لم يكن عندي ما أخبرك به فيها ، فسألت الملك الكريم الذي يكتب في اليمين ، فقلت له : أتجاوبه أنت ؟ فقال لي : لا علم لي . فقلت : حسبي اللّه ، وفوضت أمري إلى اللّه . فقال : وعن شمالك ؟ فقال : كذلك . فقلت : وأمامك ؟ فقال : سألت قلبي ، فقال عن سرّه عن ربّه : ما أجبتك به . فقلت : الحمد للّه ؛ شاكرا على الهداية ، ومقرّا له بالعجز عن إدراك النهاية . فقال له : يا هذا ، الآن قد صحّ عندي حمقك ، وثبت عندي كفرك وزندقتك ، فما تريد أن أفعل بك وبأي قتلة تريد أن أقتلك ؟ فقال له : وما الذي تريد أن تفعل بي وأنت قاضي القضاة ؟ إن كنت تقضي ولا يقضى عليك فاقض بما شئت وأي فعل لك . فقال له : إن القاضي المقتضي بما يقضي به أو نقضي بما يقضي به . فقال له : أو فهمت خطابا عن القاضي الذي يقضي ولا يقضى عليه . قال له : وما هو ؟ قال : قوله تعالى : فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ يس : 54 ] . فقال له : وما تريد أنت ؟ اقض بما شئت الآن طبت وطابت نفسي على لقاء ربّي . فعند ذلك رد القاضي رأسه إلى المتوكل ، وقال له : يا أمير المؤمنين ، اترك هؤلاء ؛ فإن كان هؤلاء زنادقة فليس على وجه الأرض مسلم ، هؤلاء مصابيح الدين ، ودعائم الإسلام ، وهؤلاء المؤمنون حقّا ، عباد اللّه المخلصون . فعند ذلك عطف الملك على الجنيد ، وقال : يا أبا القاسم ، هؤلاء الفقهاء ما جمعوا لك هذا المجلس العظيم واستعدوا لمناظرتك إلا ليقتلوك لو غلبوك ، والآن أنت الغالب عليهم ، وأنا آليت على نفسي إن أنت غلبتهم أن أمشي عليهم السيف ، فإما أن تعفو عنهم ، وإما أن يموتوا ، فقال : العياذ باللّه يا سيدي أن يموت أحد منهم بسببي ، عفا اللّه عنا وعنهم ، ولا آخذ عليهم في إنكارهم علينا ؛ لأنهم ما ساقهم لذلك إلا الجهل وقلة العلم بما طلبوا ، عفا اللّه عنا وعنهم . فانحلّ المجلس على سلام ، ولم يمت فيه أحد ، والحمد للّه ، ثم عطف القاضي